أهلا بكم في عالمي


مقتطفات من رواية : قصة حب مجوسية

اليوم اخترت لكم بعض المقتطفات من رواية “قصة حب مجوسية ” للكاتب عبد الرحمن منيف


لم يعد ماينزل من الغيوم الثقيلة المطر . كان الفرح الملون . شعرت بالأصوات المتداخلة حولي وكأنها الأناشيد تأتي من مكان بعيد . وفي لحظات أخرى شعرت بالكون وكأنه يد أم.
وظللت أترك عينيّ تسافران .. لكن ما تكاد تعودان لتستقرا في عينيها حتى أحس أني أولد من جديد . كانت نظراتها عالماً طفلاً يركض برعونة نحو الفرح والحزن معاً.
قلت لنفسي بتحد أخرق : سأقتل الكراهية والحقد . سأقتل الخيبة والكبت .


تحركت قليلاً وقد شعرت بضرورة فعل شيء، لكن شعوراً آخر انتابني في نفس اللحظة : فجأة اصابتني برودة قاتلة. أحسست أني مدفون في أعماق كثبان جليدية ، واني مسمّر وراء الزجاج ولا أستطيع الحركة . وباستسلام أبله أردت أن أكذب. أن أخطىء. لكن عينيها وهما ترتميان عليّ كانتا تجرحانني . تجعلانني أكثر احساساً بوقع خطاها وهي تسير في دمي. كنت أسحب عيني. أرميهما بعيداً، لكن دون ان ادري أكتشفت نفسي وقد بدأت أتسلل في الفجوات الصغيرة ، بين أوراق النبتة الخضراء ، أرتمي هناك . وأنظر، وأنظر ، وأنظر الى عينيها . آه ، ما أشد رعب العيون التي أراها. ما أشد فتنتها . كانت تقول لي بهمس : أيّها الغــريـــب الذي لا مــأوى له ، مأواك في عينيّ . كانت تقول لي هاتين العينين سأجعل لك أرجوحة ، وفي هذه الأرجوحة تقضي ما تبقى لك من العمر، ولن تندم.
الآن..بعد السنين الطويلة أريد أن أبكي . لماذا لم أهرب؟ لماذا تصورت أني لم أرها ، وأني رأيتها آلاف المرات ؟ كنت أحلم بها طوال عمري . وكنت أراها مستحيلة . وفي لحظة مليئة بالعذوبة ، بدا لي كل شيء قريباً، ناعماً ، جارحاً ، وقررت البقاء
في وقت ما أنقطع المطر . هل مضى وقت طويل ؟ قصير ؟ لا أدري . لما جرجرت نظراتي الى البعيد كانت الجبال الخضراء ماتزال تعصر دموعها ، وتحولها الى جداول صغيرة تتفلّت بعناد صبياني نحو السفوح . وكانت الأوراق الخضراء بعد ان فردت نفسها مثل أجنحة طيور قوية ، قد تراخت وتهدّلت بعد المطر . والحصى ، كان الحصى يلمع كقطع الزجاج الملون . وأرتد الزجاج مازال بيننا شاهقاً قاسياً أبدياً. وعيناها حمامتان اغتسلتا بالأسى ، لكنهما تركضان وراء فرح ما.


تنفست بجموح ، وقرّرت لأن أتطلع الى عينيها. شعرت بعناق مجنون يزدحم في دمي ، يدفعه ويوقفه ثم بعد لحظة شعرت بذلك الدفء الناعم يغطيني . أغمضت عيني . شممت رائحتها تملأني . كانت كخيمة خضراء فوقي ، ولما بدأت أتذكّر متى جاءت ، أحسست ان المدى حولي ، في لحظة معينة ، بدأ يزداد اتساعاً وبياضاً، حتى غطّى الأرض كلها ، ثم أحسست بشيء أقرب الى الدفء يتساقط ليصبح حاداً
ومسيطراً كالألم وتأكدت انها جاءت في تلك اللحظة..


حين أطلت والتقت عيوننا ابتسمت . كانت ابتسامة العيون لا يراها أحد، لا يراها إلاّ من أدمنها ، من احترق فيها. لم تنفرج شفتاها حين ابتسمت ، لكن الدينا أضاءت في لحظة ، لم تضيء فقط اشتعلت بخفقات الوله واللذة . لم تتركني عيناها حتى لما أصبحت موازية لي . كانت تنظر إلى أمام ، لكن شيئاً فيها كان ينظر إليّ . لما أحسست دمي يهتز في داخلي ، يخفق ، يعربد بالخوف واللذة معاً . هل يمكن للانسان ان يتمنى أكثر من هذه النظرة؟.

للمشاركة في صفحة المدونة على فايس بوك:
مقتطفات من رواية : قصة حب مجوسية

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: